أحمد بن محمد مسكويه الرازي
305
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
الف ) وصايا الحكماء عن الموت : ولذلك وصى أفلاطون طالب الحكمة بأن قال له : « مت بالإرادة تحي بالطبيعة » . « 1 » على أن من خاف الموت الطبيعي للإنسان فقد خاف ما ينبغي أن يرجوه ، وذلك ان هذا الموت الطبيعي للإنسان فقد خاف ما ينبغي أن يرجوه ، وذلك ان هذا الموت هو تمام حد الإنسان لأنه حي ناطق ميت ، فالموت تمامه وكماله وبه يصير إلى أفقه الأعلى . ومن علم أن كل شيء هو مركب من حده ، وحده مركب من جنسه وفصوله ، وان جنس الإنسان هو الحي وفصلاه الناطق والمايت ، علم أنه سينحل إلى جنسه وفصوله ، لأن كل مركب لا محالة منحل إلى ما تركب منه . فمن أجهل ممن يخاف تمام ذاته ، ومن أسوأ حالا ممن يظن أن فناءه بحياته ونقصانه بتمامه ؟ وذلك ان الناقص إذا خاف أن يتم فقد دل من نفسه على غاية الجهل ، فإذا الواجب على العاقل ان يستوحش من النقصان ويأنس بالتمام ، ويطلب كل يتمّمه ويكمّله ويشرفه ويعلي منزلته ويخلي رباطه من الوجه الذي يأمن به الوقوع في الأسر ، لا من الوجه الذي يشد وثاقة ويزيده تركيبا وتعقيدا ، ويثق بان الجوهر الشريف الإلهي إذا تخلّص من الجوهر الكثيف الجسماني خلاص بقاء وصفو ، لا خلاص مزاج وكدر ، فقد سعد وعاد إلى ملكوته وقرب من بارئه ، وفاز بجوار رب العالمين ، وخالط الأرواح الطيبة من أشكاله واشباهه ، ونجا من اضداده وأغياره . ومن ههنا يعلم أن من فارقت نفسه بدنه وهي مشتاقة اليه مشفقة عليه خائفة من
--> ( 1 ) . وقال سقراط : إنّ حياة الانسان ممارسة للموت ، وحياة الفيلسوف - الأخلاقي - موجهة نحو الموت ، لأنه يعي دائما أن عمره ينقص منه باستمرار ، وأنّه يعيش للموت . وغاية التفلسف عند أفلاطون ، أن نتعلم كيف نتصالح مع الموت ، بأن نتعلم أن تتصل أسبابنا بما هو أيدي من خلال التأمل الفلسفي .